ندوة المخبر الأولى: الخطاب والذكاء الاصطناعي
يُنظم مخبر "نحو الخطاب وبلاغة التداول" ندوة علميّة دوليّة موضوعها:
الخطاب والذكاء الاصطناعيّ
Discours et L’ Intelligence Artificielle
Discourse and Artificial Intelligence
أيام 03 – 04- 05- ديسمبر 2026
إعداد د. ريم الهمّامي
التأطير المعرفيّ والعلميّ
ليس الخطابُ مجرد سلسلة من الجمل المتتابعة، بل هو ممارسة اجتماعية نُجريها في قلب التجربة الإنسانية، ليُعبّر عن علاقات القوة والمعرفة والهُوية. وقد أرسى ميشال فوكو (Foucault, 1969) أساس هذه الفكرة عندما أثبت أن الخطاب لا يعكس الواقع، بل يصنعه، فهو ينتج المعرفة ويُعيد تشكيل السلطة في آنٍ واحد. وفي السياق ذاته، كشف جون أوستين (Austin, 1962 ) أن اللغة لا تصف الأحداث بل تُنجزها، فيما طوّر هيربرت غرايس (Grice, 1975) نظريةَ الاستلزام التخاطبيّ (Conversational Implicature) مُبيّناً أن المعنى الحقيقي للتواصل يكمن فيما لا يُقال صراحةً. وانطلق نورمان فيركلاف وتون فان دايك (Fairclough, 1989; Van Dijk, 1993 ) من هذه الأُسس لبناء منهجيّة نقديّة تُدرج الخطاب في شبكة الإيديولوجيا والهيمنة الاجتماعية.
وفي الفكر العربيّ، ربط طه عبد الرحمن (1994) الكفاءةَ اللغوية بالمسؤولية الأخلاقية في فلسفة تواصليّة متميّزة، ورصد عبد السلام المسّدي (1986) العلاقةَ الجوهريّة بين اللسانيّات والهُويّة الحضاريّة، وقارب محمد خطابي (1991) ومحمد الشاوش (2001) بين آلياتِ الانسجام الخِطَابِيِّ من منظور يُوائم بين المنهج الغرْبِيِّ والموروث العرَبِيِّ. وقد ظل هذا البناء المَعْرِفِيُّ يتطور ويتفاعل حتى اندلعت ثورة الذكاء الاصْطِنَاعِيِّ لتُلقي بأسئلتها الجِذْرِيَّةِ على كل ما بُني من قبل.
وجاءت النماذج اللغوية الكبيرة (Large Language Models (LLMs)) لتُحكم قبضتها على مشهد التواصل، فباتت تُنتج الخطاب وتُحلّله وتُعالج النصوص بكفاءة لافتة ومُقلِقة في آنٍ واحد. وقد حذّرت إيميلي بيندر ومن معها (Bender et al., 2021) من وَهمِ الفهم الذي تُوهمه هذه النماذج، فوصفتها بـ"الببغاوات العشوائيّة" التي تُعيد توزيع الأنماط دون أن تبلغ المعنى. ويعود هذا التحذير بنا إلى السؤال الفلسفي الذي طرحه جون سيرل (Searle, 1980) منذ أكثر من أربعين سنة: هل تفهم الآلة اللغة أم تعالجها فحسب؟ وهل يختلف الفهم عن المعالجة اختلافا أنطولوجياً جوهرياً أم يختلفان درجةً لا نوعاً؟
وتتجاوز رهانات هذا التحوّل حدودَ المعالجة اللغوية لتمتدّ إلى مجالات أكثر حساسيّةً وعمقاً: ففي الإبداع، أدباً وفنّاً ومسرحاً وسينما، تنبثق أسئلة حول شرعيّة الأثر الذي يفتقر إلى مؤلف حقيقيّ. وفي الهويّات الدينيّة والحضاريّة والجندريّة تُطرح مخاوف من إعادة إنتاج التحيّزات وتكريس الهيمنة في ثوب تقنيّ محايد الظاهر؛ أمّا في الأخلاق، فتُفرز هيمنةُ أنظمة غير خاضعة للمساءلة على الفضاء الخطابيّ العامّ تساؤلاتٍ فلسفيةً بالغة الأثر حول المسؤوليّة والعدالة والحريّة.
واستنادا إلى هذه الروافد تنبثق ندوة "الخطاب والذكاء الاصطناعيّ" لتطرح جملة من الإشكاليّات المحوريّة التي تستلزم نقاشا أكاديميّا عميقا:
1. هل تُنتج الآلة خطاباً حقيقيّاً؟
يقوم الخطابُ الحقيقيُّ باعتباره فعلاً إنجازيّاً على ثلاث ركائز أساسيّة، هي القصدُ، والتأثيرُ، والمسؤوليةُّ الأخلاقيةُ. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين ما تُنتجه الآلة وما يُبديه الإنسان. وهذا الفارق الوجوديُّ لا يمكن لأيّ برمجة أن تُغطّيه. غير أنّ هذا لا يُغني عن طرح السؤال الأهمّ: كيف يُعيد هذا الإنتاج الآليّ تشكيلَ فهمنا للعمليّة التواصليّة؟ وكيف يتفاعل في بناء تصوراتنا الثقافية والمعرفية اليومية، أو إعادة بنائه؟
ومن ثمّ، يُثير الخطاب الاصطناعيّ أسئلةً جوهريّة حول هويّة المتكلّم وتحمّل المسؤوليّة، وتتضاعف حدّة هذه التساؤلات حين يتوسّع استخدامُه في مجالاتٍ حسّاسة كالإعلام والثقافة والدين.
2 ـ ما الذي تُضيفه الدراسات البينيّة — لسانياتٍ وتداولية وفلسفةً — في مساءلة الذكاء الاصطناعي؟
تتيح النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) للباحثين أدواتٍ غير مسبوقة لتحليل مدوّنات ضخمة للكشف عن طبيعة أنماطها. لكن هذا الانفتاح يُثير سؤالا نظريّا جادّا عبّر عنه تشومسكي (Chomsky, 2023) عندما طرح السؤال التالي: إلى أيّ مدى تتوافق هذه النماذج مع نظريّات القواعد النحويّة الكونيّة والبنية اللغوية العميقة؟.
وعلى صعيد التداولية، يكشف الباحثون أن الآلة تُجيد بنية الكلام الشكلية لكنّها تُخفق حين يتعلق الأمر بالاستلزام التخاطبي والقصد الضمني والأبعاد الحجاجيّة الدقيقة. ويطرح هذا بدوره سؤالا في الفلسفة مفاده: هل تملك الآلة وعياً أو قصداً بالمعنى الفلسفي؟ وهل يُمكن للذكاء الاصطناعيّ أن يُفكّر أم يكتفي بمحاكاة التفكير؟ وقد استعاد سيرل (Searle, 1980) بتجربته "الغرفة الصينيّة" هذا السؤال الأنطولوجي الكبير.
إنّ التواصل الإنسانيّ طبقاتُ معنىً متداخلة، بعضها صريح وبعضها الآخر ضمنيّ، وكلّها تستلزم فهم مقاصد المتكلم وإدراك السياقات الواسعة للحظة التلفّظ بالقول. فهل تستطيع الآلة أن تقرأ ما بين السطور، وأن تُميّز التهكّم من الجدّ؟ وكيف تتعامل النماذج الحاسوبيّة مع بنية الاستدلال والحجج في الخطابات المعقّدة؟
3ـ ما علاقة الذكاء الاصطناعيّ بالإبداع البشريّ؟
يمتدّ هذا السؤال ليشمل كلّ مجالات الإبداع الإنسانيّ دون استثناء: الأدب والدراما والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والموسيقى وسائر الفنون المتعدّدة الوسائط. فالآلة، مهما تبلغ كفاءتها، لا تُنتج التجربةَ الوجودية، ولا تُفسّر طبيعةَ الصدمةِ الجمالية، ولا تُحيط بأغوارِ النفسِ البشرية التي تُشكّل جوهر الإبداع الحقيقيّ. ومن هنا، يُطرح تساؤلٌ مشروعٌ حول تأثير الآلة في الذائقة الجماليّة والثقافيّة وتصوّرات الجمهور؛ تساؤلٌ يستدعي النقد والدراسة والتمحيص.
4 ـ كيف يعيد الذكاء الاصطناعيّ تشكيل الهويّات الدينيّة والحضاريّة والجندريّة؟
تتشابك في هذه الإشكالية ثلاثة أبعاد متداخلة: فعلى صعيد الهويّة الدينيّة، يُثير توظيفُ النماذج التوليدية في تفسير النصوص المقدّسة مخاوفَ جدية من تسطيح التأويل وانهيار المرجعيّة الراسخة. وعلى صعيد الهويّة الحضاريّة، نعيد طرحَ سؤال مالك بن نبي (1954) عن القابليّة للاستعمار في صورته الرقميّة الراهنة. أمّا ما يتعلّق بالبحث في الهويّة الجندريّة، فتشير الدراسات إلى أنّ هذه النماذج تبدو كأنّها قد ورثت تحيّزات تاريخيّة مضمّنة فيها، فراحت تُضخّمها على نطاق غير مسبوق بصفة تفرض السؤال النقديّ والأخلاقيّ التالي: هل يعدّ الذكاء الاصطناعيّ أداةً لتعزيز المساواة بين الجنسين، أم أنّه يُعيد إنتاج الهيمنة الجندريّة ويُحكم حدودها؟
5- ما علاقة الذكاء الاصطناعيّ بالسياقات التعليميّة والبيداغوجيّة؟
يُشكّل الذكاء الاصطناعي اليوم تحدّياً بيداغوجيّا من الدرجة الأولى، إذ بات يتدخّل في مجمل العملية التعليمية من إنتاج المحتوى إلى "تقييم" المتعلّمين، مُعيداً رسم العلاقة الثلاثيّة بين المُعلِّم والمُتَعَلِّمِ والمحتوى.
وفي مجال تعليم العربيّة وتعلّمها، تصبح هذه المخاطر لافتة للنظر، إذ يطرح التساؤل في مدى قدرة الأدوات الحاسوبيّة على استيعاب خصوصيّة هذه اللغة وطرق اكتسابها. علاوة على ذلك، يُثير توظيف النماذج التوليديّة في الكتابة الأكاديميّة إشكاليّات عميقة تتعلّق بالنزاهة العلميّة، وأصالة الإنتاج المعرفيّ وحدود المساعدة المشروعة. ومن ثَمّ، يغدو السؤال البيداغوجيّ الهامّ: كيف نُدرج الذكاء الاصطناعي في الفضاء التعليميّ بوصفه أداةً تُنمّي التفكير النقديّ لا تُحلّ محلّه؟
6- أخلاقيّات الذكاء الاصطناعيّ وإشكاليّات المساءلة الخطابيّة؟
وتبرز هنا مشكلتان متوازيتان: تحديد المسؤوليّة عن الخطاب المضلّل أو المتحيّز أو المسيء عندما تُنتجه الأنظمة الاصطناعيّة، وتحديد من المسؤول عن ذلك. أمّا الثانية فتتعلّق بآليّات "التقييم": ما الذي نقوم به لـ"تقييم" هذا النموذج ومحاسبته؟
محاور الندوة
المحور الأول: الخطاب والذكاء الاصطناعي: الفكر والتحليل والإنتاج.
المحور الثاني: الخطاب والذكاء الاصطناعي والدراسات البينيّة.
المحور الثالث: الذكاء الاصطناعيّ في خطاب العلوم والفنون.
المحور الثالث: الذكاء الاصطناعيّ والإبداع البشريّ.
المحور الرابع: الذكاء الاصطناعيّ والهويّات: الدينية والحضارية والجندرية...
المحور الخامس: الذكاء الاصطناعيّ والسياقات التعليميّة والبيداغوجيّة.
المحور السادس: الخطاب وأخلاقيّات الذكاء الاصطناعيّ.
الجدول الزمني
المرحلة
التاريخ
آخر أجل لإرسال الملخصات
[15/08/ 2026]
الإعلام بقبول الملخصات
[25/08/ 2026]
آخر أجل لإرسال الورقات الكاملة
[30/ 10/ 2026]
إعلام نتائج التحكيم
[10/ 11/ 2026]
انعقاد الندوة
[03- 04- 05/ 12/ 2026]
شروط المشاركة
أولاً: شروط الملخص:
- يتراوح حجمه بين 250 و300 كلمة بالعربية أو الفرنسية أو الإنجليزية
- يتضمّن: العنوان، الإشكالية، المنهج، النتائج المتوقعة
- يُرفق بسيرة ذاتية موجزة (بين 200 و250 كلمة: (من الضروريّ ذكر الصفة، الرتبة، المؤسسة، رقم الهاتف/ الواتساب، البريد الإلكتروني)
- يُرسل إلى البريد الإلكتروني الرسميّ للمخبر: grammar_discours@yahoo.com
ثانياً: شروط الورقة العلمية الكاملة:
- يتراوح حجمها بين 6000 و 7000 كلمة بما فيها الملخّص باللغة العربيّة، والإنجليزيّة والفرنسيّة، والكلمات المفاتيح والمراجع والهوامش.
- الخط بالعربيّة: Simplified Arabic، حجم 14، وفي الهامش 12.
- الخطّ باللغة الأجنبيّة: Times New Roman، حجم 12، و 11 في الهوامش، والتباعد سطر ونصف.
- تلتزم بالتوثيق وفق نظام APA مع الإحالة الدقيقة.
- تُنشر الأوراق المقبولة المحكَّمة في كتاب جماعيّ.
ثالثا: لا يُشارك في أشغال الندوة إلاّ من التزم بالشروط المذكورة، وأرسل بحثه كاملا في الموعد.
مدير المخبر : أ.د توفيق العلوي
التنسيق العلمي: أ. د آمال قرامي- أ. د رجاء بن سلامة - أ. د محرز بوديّة
إعداد الورقة العلميّة مدير المخبر
د. ريم الهمّامي أ.د توفيق العلوي
Add a photo above and a description for your event
Add a photo above and a description for your event
Add a photo above and a description for your event
Add a photo above and a description for your event